الديوان » مظاهر ريسان » حين تصبح الأرض قبراً

لامست أقدامنا أديمها،
واستبصرنا ملمسها بأناملنا،
لكنها بدت كجثمان هامد،
صامتاً كالأبد،
أوكلتنا لنغرس في أعماقها رؤانا،
ثم التهمت البذور.
كانت كرقيم شاحب النقوش،
كلما دنوتُ لأفك أسرارها،
مزّقتها الرياح كطيفٍ
اندثر في زوايا النسيان.
أين أصداؤها؟
أين أنغامها حين كنا نلهث خلف الفراشات؟
أين بريقها حين أغرتنا بوعود فصلها الأخضر؟
السماء فوقنا كعجوز خرساء،
تسدد إلينا نظرات مثقلة بالكمد،
والرياح تسلخ منّا أحلامنا،
كأنها تنتقم منّا لجسارة أوهامنا بالوصول.
كنا نظن
أن الحياة تجود بعطاياها،
لكننا أدركنا
أنها تقتات على أحلامنا،
تشيد معاقلها
فوق هشيم أرواحنا،
ثم ترحل،
تاركة لنا عبء أطلالنا.
كلما سرنا،
أصغينا لندب الأرض،
وكأنه اعترافها المحتضر:
أنّ الوطن ليس الأرض،
بل الشعور الذي يُدفن فيها.
لكن أي نبض يبقى حين تُقتلع الجذور؟
حين تتحول الأرض من حضنٍ إلى قبر،
إنها الأرض
التي جحدناها حين رغبنا في الارتقاء،
وجحدتنا حين عدنا مهشّمين،
هي التي رسمنا عليها رؤانا بأقدامنا،
فمحتها الرياح كما لو لم تكن.
كيف تحتمل الأرض كل هذا النحيب؟
كيف لا تتشظى
كلما ورِّيت في أعماقها شهيداً جديداً؟
أم أنها، كحالنا،
اعتادت الالم.
إننا نسير،
لا لأننا نأمل بالوصول،
بل لأن الوقوف صار يشبه الموت،
ترانا نحيا
لكن الحياة هي الأخرى
مجرد فكرة خطرت في بال الموت،
ثم نسيها.
 
 

نبذة عن القصيدة

المساهمات


معلومات عن مظاهر ريسان

مظاهر ريسان

15

قصيدة

مظاهر ريسان، كاتب وباحث وشاعر، لدي العديد من القصائد ومن ابرزها: الذكرى الأخيرة، وحيدٌ انت ايها المنسي، الخ...

المزيد عن مظاهر ريسان

أضف شرح او معلومة