الديوان » باسل الحجاج » الفتى وزهرة الياسمين

ما زلتِ في مرايا عيوني، وإن هشمتها السنين

ما زلتِ كما كنت دومًا… زهرةً من الياسمين

ورغم المشيب، لم أزل ذلك الفتى الذي تعشقين

بجديلة الفرس الفضية، كملاعقِ الأسر الميسورة 

أو حزمة ضوءٍ منثورة، من بقايا الأنواء المحتضرة

أو الأنجم الوليدة، في أعمدة الخلق البعيدة

حيث الممرات الغبارية المظلمة، 

تموج في سديم العُقاب، لغزًا غامضًا خلاب!

يَأسِر الروحَ، يُبكيها… مثل جنائزِ الأحباب

يغمرها عصفًا من الدمعِ بلا مكتنهِ الأسباب!
 

أجل أيتها المُفتقدة، يا جنّة الرياحين، 

ما زلتُ ذلك الفتى الذي تعشقين

لم أتغير تحت أقنعة التغيرات وأحكام القضية

ولو نقبتِ بالأظافرِ الدامية عن أحافير السنين

يقينًا ستدركين، خلف أنقاض الحطام والخراب

أنا ما زلتُ ذلك الفتى الذي تعشقين

بجديلة الفرس الفضية، في معسكرات الذئاب

أربيها وحيدًا على أكتافي في عِجاف السنين 

كما يربي رجلٌ متوحشٌ منبوذٌ غريب،

يتيمًا صغيرًا من فِراخ الغراب!

أربيها على أطلال السِفين، 

مثل قرصانٍ فيلسوفٍ حزين، 

فقد الرفاق، مهزومًا في معارك الأرض والآفاق

ولم يزل باحثًا عن سراب حبك ووهم الأخلاق

يقلّبُ المخطوطات القديمة والخرائط والأحداق!

ويبحثُ أحيانا بالأسطرلاب في أفلاك الحنين

عن دمعة تشفي الروح أو عن كنوز الصالحين!

ليعود في خيبة الليالي بانكسار الضمير وخفيّ حُنين 

يجترّ أفكارًا مسعورة، لا تتناغم مع لحن الصاغرين!

ويلعن الوجود في كلّ صورة، جراء الخلق الزائفين!
 

***
 

الآن يا زهرة الياسمين، أشحذُ الشجاعة مثل منتحرِ الثائرين

لأخطو بكلّ انكساراتي وتصدعاتي، مُقسمًا مَصانة التكوين؛

ما خنتُ ألماسة الروحِ رغم سخام أيامي ودخان المتفحمين! 

في هذا المحفل التنكريّ وتحت أكوام الأزياء وأقنعة المقنعين 

يقينًا ما زلتُ ذلك الفتى الذي تعشقين، بصبابةِ الشعراء الأقدمين

بعواطفٍ مكبوتةٍ وغرائزٍ مسكوتٍ عنها، يجرفني موجُ الحنين

ناياتٍ تعزفني في صباحاتٍ تفتقرُ الندى، فأفتقدكِ بقلق القانطين

وأشتاقُكِ كالمدمنين… كما يحلمُ بشمسِ الشبابيكِ منسيٌّ سجين 

لقد كنتِ وما زلتِ جمالاً ميتافيزيقيّ الصدى، ذا غموضٍ حزين،

يلفُّه السحرُ عباءةً مزخرفةً بالطير والأفاعي وحكايا السومريين،

يفتضحُ ما تُضمر الأنفس من شرٍّ ولأجلهِ سال لعاب المجرمين!
 

الآن يا زهرة الياسمين، أنقبُّ في الذكرى عمّا قبرتهُ السنين،

مثل حالمٍ بغبار التبرِ وأحجار الذهب في نهرٍ احتلهُ الأغراب!

من يرتوي الآن نبيذ تلك الشفاهِ المعتقةِ خلف خِمار الحجاب؟!

حُبكِ قاتلي مثل مناجمٍ للكنزِ تَشهّاها جيشٌ من الغزاة الحاسدين

كشهيدٍ قُطِعَ رأسهُ وأمسى من الأثافي تطهى عليهِ قِدر الظالمين

أحسُّ الفجيعة والغدر في هذا الزمن المغلولِ بأصفاد الخائنين 

كأني ما عدت أملكُ أمري والوساوس عفاريتٌ تنبثقُ من كلّ باب

وأسود أفكاري مسيّرةٌ بلا حولٍ أو حيلةٍ في سيركٍ ناريّ الألعاب

فكثرة الدروب وملهاةُ الاختيار، حيّرت الألباب…

عبوديةٌ تُلقّمُ المنيّة ما اشتهت من لحم الشباب!

ورغم عبور الجحيم ومراقصة الذئاب، ما زلتُ فتاكِ الغرَّ الحزين

فلا توقدي عليّ المواجع بالجفا؛ أما كفى التثريب وشوك العتاب؟

ولا تخبري بأنّا انتهينا بلا رجعةٍ يوسفيّة، أعيدي شباب الغياب!

سئمتُ التظاهر أنّا معًا وجوع العشقِ لا تشبعهُ أطياف السراب!

لقد شيَّدوا الأبراج والأسوار بيننا قلاعًا تناطحُ سود السحاب

لئلا يلتئم الشملُ لو في جنّة الفردوس نُدماءَ يَقرعُنا الشراب

كانوا كما الإنسان العاري وإن تساموا على اختلاف الناطقين 

وحوشًا ساغبةً في مجاعةٍ مقدارها السرمدي سبعٌ من السنين، 

تتضوّرُ كديدانِ القبورِ لما يملأ نقصًا أزليّ الوجودِ ليومِ الدين

ولذا حين انظر للفضاءِ الملوّث بالسموم

وأذكرُ كم كان مرصعًا بأقراط النجوم، 

أفكرُ كم انحرفنا عن مسارات الحقيقة بالهموم… 

كم سقطنا من عيون السماء مثل إبليس اللعين…

وبغصةٍ مخنوقة الصدى، أفكرُ كم نحن مساكين!
 

***
 

آه أيتها البجعة المسحورة،

أنا ظلّ روحٍ مقهورة، 

ما استوعبت علام تجبى من دمائها ضرائب الآثمين 

ألأني عشقتكِ بكلّ الظلمة في آلامي 

ثم فقدتكِ كما فقدتُ صُرة أحلامي، في حرب التنانين؟!

وأمسى الصدرُ مقبرةً تطعنُ النبضَ بطبل الأنين

آه يا معبودتي، بالرغم من شمعٍ صكّ خاتمتي

ما فتئت فارسًا مجذوب، يحارب الأشباحَ والطواحين!

لعلي أعودُ لك من متاهات شرنقتي 

كانبعاثِ أدونيس في أساطير الشعراء والمؤرخين 

أخلعُ عن جلدي سترة الرجل العجوز…

تمامًا كما جرت العادةُ وما رُويَّ من شأن الثعابين!

أعود لك كما عودةِ الربيع؛

كما يومٍ صحوٍّ من الماضي الدفين… 

ذلك الفتى الذي تعشقين…

ذلك الفتى اللعين…

ذلك الفتى…

الفتى المشعِّ بحقدٍ حزين! 

نبذة عن القصيدة

المساهمات


معلومات عن باسل الحجاج

باسل الحجاج

65

قصيدة

شاعر من المملكة العربية السعودية. صدرت له مجموعة شعرية بعنوان "النهر والغريب ومرثية الأقمار المتساقطة"

المزيد عن باسل الحجاج

أضف شرح او معلومة