فَاِذهَب فَما ظفرت يداكَ بمثلهِ
فيمن مَضى ممّن يَروحُ وَيغتدي
واصل الحلم بيننا بعد هجر
والتقينا ونحن مفترقان
وكان الأرواح خافت رقيباً
فطوت سرها عن الأبدان
ما هذه الدنيا وما لذاتها
أنيابها تفريهِ والأظفار
الموت يرصدنا ونحن بغرَّةٍ
فإذا أتانا ليس منه فرارُ
و كيف أصادق في الصبح مداً
و في الليل أمنح ودي بجزر
تعبت من البحر لكن قلبي
يصر على البعد بؤس بري
فَقُل لِطَبيبِ الحُبِّ إِن كانَ صادِقاً
بِأَيِّ الرُقى تَشفي الفُؤادَ المُتَيَّما
فَقالَ الطَبيبُ الهَجرُ يَشفي مِنَ الهَوى
وَلَن يَجمَعُ الهِجرانُ قَلباً مُقَسَّما
وَأَعجلنا قربُ الفراق وبيننا
حَديثٌ كَتنشيج المريضين مزعجُ
حَديثٌ لو اِنّ اللّحم يشوى بحرّهِ
طَريّاً أَتى أَصحابه وهو منضجُ
أَقولُ وَنَفسي وَالأَسى قَد تَمازَجا
وَقَلبِيَ مِن حَرِّ الفِراقِ يَذوبُ
أَلا مِثلَ لي فَإِنَّهُ لي مُعجِزٌ
وَإِنّي لِأَمثالِ الوَرى لَضَروبُ
يا رَوَّعَ اللَهُ رَوعاتِ الفِراقِ بِكُم
أَذكَت حَشايَ بِجَمرٍ مِنهُ مَشبُوبِ
وَكَم أَطالَت يَدُ البينِ المُشِتِّ عَلى
جَمرِ الغَرامِ وَنارِ الشَوقِ تَقلِيبي
رَحلْتُمْ بالنُّفُوسِ فليتَ شِعْري
أكانَ لكُمْ بأنفُسِنَا انْتِفاعُ
وخَلَّفتم جُسُوماً بالياتٍ
عَلَى جَمْرِ الغَرَامِ لها اضْطِجَاعُ
أَمّا الفِراقُ فَقَد عاصَيتُهُ فَأَبى
وَطالَتِ الحَربُ إِلّا أَنَّهُ غَلَبا
أَرانِيَ البَينُ لَمّا حُمَّ عَن قَدَرٍ
وَداعُنا كُلَّ جِدٍّ قَبلُهُ لَعِبا
وما بعضنا إِلا يودع بعضنا
لكفت كفاة القاسطين فتكفت
حياة الفتى كالغصن ريان مورق
فلم يدر إِلا وهو عريان مسحت
وما هي إلا كالستر نجيّ مصلتا
يؤول لغمد وهو للحشر يصلت
إِنَّ يَوْمَ الْفِرَاقِ أَحْرَقَ قَلْبِي
وَكَوَانِي الْفِرَاقُ بِالنَّارِ كَيَّا
إِنْ قَضَى اللهُ بَيْنَنَا بِاجْتِمَاعٍ
لاَ ذَكَرْتُ الْفِرَاقَ مَا دُمْتُ حَيَّا
وَإِنّي إِذا ما قُلتُ قَولاً فَعَلتُهُ
وَلَستُ بِمِخلافٍ لِقَولي مُبَدَّلِ
وَقَد عَلِمَت بِالغَيبِ أَنّي أُحِبُّها
وَأَنّي لِنَفسي مالِكٌ في تَجَمَّلِ
فإذا أَقَمْتَ على الصُّدُودِ
وكلُّ حُبِّي ما نَهاكْ
فغَدًا سأرحلُ عن حَيا
تِكَ غاضِبًا، أرجو رِضاكْ!
أَلا إِنَّ قَلبي مِن فِراقِ أَحِبَّتي
وَإِن كُنتُ لا أُبدي الصَبابَةَ جازِعُ
وَدَمعِيَ بَينَ الحُزنِ وَالصَبرِ فاضِحي
وَسِتري عَنِ العُذّالِ عاصٍ وَطائع
وإذا الموت من المرء دنا
خار منه كل ما ليس يخور
إنما القوى كالناس لها
أجل يمضي فيعروها الدثور
أقولُ للعين في يومِ الفرَاقِ وقَد
فَاضَتْ بدمعٍ على الخدّينِ مُسْتَبِقِ
تَزوَّدِي اليومَ من تَوديعهم نظراً
فَفي غَدٍ تَفرُغي للدّمعِ والأرقِ
وَداعاً وَهَيهات أَن نَلتَقي
فَما أَنا بَعدُ المُحب الحَبيب
أَطيعي ذَويك بِما يَشتَهون
فَإِن لَهُم فَوقَ حَق الغَريب
بعثت لكامل مني مثالا
ليبقى الود في ذاك المثال
وقلت إذا شكوت البعد يوما
تسل عن الحقيقة بالخيال
قلب تألم من فراق أحبةٍ
وكوته أيدي الحادثات بنارها
لم يألف الدنيا وإن علقت به
إذا لا دوام لدورها وديارها